تابع إلى المبحث الأول: مراحل تطور القانون ومصادره عند الرومان


    تناولنا تقسيم المؤرخين للمراحل التي مرت بها الدولة الرومانية وبالتالي القانون الروماني، فدرسنا مرحلة العصر الملكي ومرحلة القانون القديم ونتناول هنا  المراحل المتبقية وهي:

ـ ثالثا: عصر الإمبراطورية العليا:  

ـ رابعا: عصر الإمبراطورية السفلى: 


ثالثا: عصر الإمبراطورية العليا:130 ق م– 284

 

    انتقل القانون الروماني من مرحلته البدائية إلى مرحلة متقدمة من النضج والرقي والازدهار، ويبدأ من قانون إيبوتيا سنة 130 ق،م وينتهي بحكم الإمبراطور دقلديانوس 284 م".

    وينقسم هذا العصر إلى المراحل التالية:

أولا: بداية العصر العلمي: يبدأ من نهاية العصر الجمهوري إلى غاية بداية ولاية أغسطس سنة 27 ق م وتميزت هذه المرحلة:

ـ اتساع فتوحات روما حول المتوسط، وتحول الرومان من شعب مزارع إلى شعب تجاري، بفضل توسع روما الجغرافي ودخولها في علاقات تجارية مع أجناس مختلفة.

ـ زوال التفرقة القديمة بين الأشراف والعامة وظهور طبقية جديدة فقد ظهرت طبقتين جديدتين بزوال التفرقة القديمة وهما:

الطبقة الغنية: وتشتمل على فئتين هما فئة النبلاء وهي الفئة المشكلة من أعضاء مجلس الشيوخ وكبار الموظفين والملاك وتتمتع هــذه الفئة بالنفوذ السياسي. وفئة الفرسان والتي تضم الأفراد الذين اغتنوا بممارستها التجارة وتتميز بنفوذها المالي. وكان هناك صراع بين الطبقتين لاحتكار الفئة الأولى للشرف والقيادة السياسية للدولة.

الطبقة الفقيرة: وتتشكل من المعدومين وهي الأغلبية وتعيش على عملها اليدوي عادة.

ـ قيام ثورة اللاتين من سكان المستعمرات الايطالية مطالبين بالمساواة مع الرومان. وعلى هذا صدر قانون جوليا الذي منح الجنسية لجميع اللاتين، حيث صار القانون الروماني يطبق على جميع أهالي إيطاليا.

ـ كان للثقافة اليونانية أثرها البارز في تطوير الفكر القانوني رغم معارضة بعض المثقفين الرومان لها. حيث أثر وجود الفلاسفة اليونان في روما والطلبة الرومان باليونان وكان لهذا بالغ الأثر على الرومان خاصة في المجال الديني والقانوني. فدينيا قل تمسك الرومان بالمعتقدات التقليدية وضعفت الروح الدينية لديهم مما ساعد على دخول المسيحية وتغلغلها داخل المجتمع. أما قانونيا فقد تأثر الرومان بتقسيم اليونان وتبويبهم وتفسيرهم المعتمد على المقاصد والمعاني، وبهذا صارت إرادة المتعاقدين وفكرة سلطان الإرادة وقصد المشرع هي محل الاعتبار وليس الشكليات والرسميات، وقد ترتب على ذلك تحرر التصرفات القانونية الرومانية من الشكلية. واستيراد روما لبعض النظم من اليونان النظم لمواجهة تطورها وخاصة القانون البحري.

ـ تميز هذا العصر كذلك بالصراع بين قيادات الجيش الأمر الذي أدى إلى ظهور النظام الإمبراطوري.

ـ ولوحظ ازدياد سلطات مجلس الشيوخ الذي صار له حق إعلان الحرب وعقد المعاهدات ووضع الميزانية وإصدار توصيات غير ملزمة لكنها كانت تتمتع بقوة أدبية كبيرة، وللمجلس تعيين الحكام العموميين حكاما على الأقاليم بعد نهاية ولايتهم والإشارة على هؤلاء باتخاذ إجراء معين.

ثانيا: العصر العلمي: ويبدأ من ولاية أغسطس سنة 27 ق،م ويمتد إلى غاية نهاية حكم أسرة سيفير 235م، وهو عصر الإمبراطورية العليا بالنظر إلى المجد والرخاء. وقد عرف هذا العصر تحولات عميقة على مستويات شتى:

1ـ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية: ساد السلام غالبا في هذا العصر، وازدادت وسائل النقل وخاصة البحرية بالإضافة إلى المبادلات التجارية الداخلية والخارجية، وتم إنشاء مرفق البريد ومحطات إراحة الخيول، وتقدمت الوسائل القانونية حيث منحت الجنسية الرومانية لكل سكان الإمبراطورية في عهد كركلا سنة 212م. أما اجتماعيا فقد اختفت الطبقة الارستقراطية وظهرت مكانها طبقة غنية وازدادت الهوة بينها وبين عامة الشعب، كما وجدت طبقة رجال الجيش و كان لهذا الأخير قوة وتأثير كبير. أما دينيا فقد بدأت المسيحية تنتشر في الأوساط الفقيرة، أما الطبقات الغنية والعليا فانتشرت بها الفلسفات الإغريقية التي تعظم وتخضع الإرادة إلى العقل.

2ـ التغيرات السياسية: لقد تمكن أغسطس من قلب الحكم إمبراطوريا واقتسام السلطة مع مجلس الشيوخ "نظام الحكم الثنائي وبعد أغسطس تركزت السلطة في يد الإمبراطور فقط. أما الهيئات الأخرى فنجدها فقدت جل صلاحياتها، فمجلس الشعب فقد اختصاصه القضائي الجنائي وحق التظلم أمامه وصار هذا الحق لصالح الإمبراطور كما انتقل حق اختيار الحكام من مجلس الشعب إلى مجلس الشيوخ في عهد خليفة أغسطس. وفي القرن الأول ميلادي فقدت المجالس الشعبية اختصاصاتها التشريعية وانتقلت إلى مجلس الشيوخ. أما مجلس الشيوخ فصار يتمتع بسلطات قضائية أوسع من أجل قمع الجرائم المجاوزة للحدود والتي تتعلق بالمستخدمين لجباية الضرائب المفروضة على المكلفين. كما تضاءلت سلطات الحكام وصاروا أداة تنفيذية لمجلس الشيوخ الذي له اختيارهم وتوجيههم ونشير إلى أنه ظهر حكام جدد كالمحافظين وهم: المحافظ الذي يسهر على حماية المدينة، محافظ التموين، محافظ الحرس الإمبراطوري.

 أما الإمبراطور فكان يتم اختياره عن طريق مجلس الشيوخ الذي يخضع لضغط سلطة الجيش عادة والأباطرة يختارون من يخلفهم عن طريق التبني والوصية أو الإشراك في الحكم أثناء حياتهم بشرط مصادقة مجلس الشيوخ على ذلك. ويمارس الإمبراطور سلطاته طوال حياته وله:

- الولاية العامة على الإمبراطورية وقادة الجيش وهذه السلطة كان يمارسها حكام الأقاليم من قبل.

- يمارس سلطة حكام العامة بحيث يكون له حق تقديم مشاريع قوانين لمجلس العامة ومجلس الشيوخ وله حق الاعتراض على قرارات الحكام. فهو يمارس مهام قنصل ولكن مدى الحياة، وهو باعتباره نقيب العامة فلا يمكن الاعتداء على شخصه.

- سلطات الرئيس الديني حيث له التدخل في اختيار رجال الدين وله سلطة كبير الكهنة. كما يتمتع كذلك بسلطات حاكم الإحصاء وبالتالي له تعيين أعضاء مجلس الشيوخ.

    وكان للإمبراطور مجلس استشاري مكون من كبار الموظفين والفرسان وأعضاء مجلس الشيوخ وفي عهد هادريان ضم كبار الفقهاء الذين يعاونون الإمبراطور في تولي الأعمال القانونية وإعداد الأوامر القضائية.

ثالثا:أواخر العصر العلمي: هنا دب التدهور في الإمبراطورية، فسياسيا أدى عدم وجود نظام ثابت للعرش إلى تشجيع القبائل البربرية الشمالية على الإغارة على الإمبراطورية. أما اقتصاديا فقد انهارت قيمة النقد وارتفعت الأسعار، مما دفع الأباطرة إلى تحديد الأجور وتثبيت الأسعار ووضع جزاءات صارمة على المخالفين. أما اجتماعيا فقد قام الصراع بين طبقة الأثرياء والفقراء، وبين الأثرياء أنفسهم بين طبقة النبلاء وطبقة الفرسان حول النفوذ السياسي وهنا استولى قادة الجيش على السلطة وصار الإمبراطور في أيديهم وأثر كل ذلك على القانون الذي بدأ في الضعف والجمود. وصارت الدساتير الإمبرطورية هي المصدر الأساسي للقانون.

مصادر القانون في العصر العلمي
    انتقلت السلطة التشريعية في هذه المرحلة من مجلس الشعب إلى مجلس الشيوخ ثم إلى الإمبراطور في صورة دساتير إمبراطورية. كما اكتسبت المنشورات البريتورية صفة الثبات فجمعت وبالتالي توقفت عند هذا الحد ولم تعد مصدرا أساسيا للقواعد القانونية الجديدة، ولكن الفقه كان له دور في هذه المرحلة ووصل إلى درجة عالية حيث عُد من المصادر الرسمية للقانون

1ـ التشريع: في القرن الأول الميلادي انتقلت السلطة التشريعية من مجلس الشعب إلى مجلس الشيوخ مع العلم أن هذا الأخير كان قبل ذلك يمارس سلطات تشريعية غير مباشرة عن طريق الإشارة على الحاكم بإدماج حكم معين في منشوره كما أنه كان يشيـر على الحاكم إذا أراد هذا الأخير إدخال تعديـل في القانون الخاص بهذا التعديل، وصارت مشورة مجلس الشيوخ تتمتع بقوة التشريع في حكم هادريان "سنة117-138م" وهي تسمى الخطبة التي يلقيها الإمبراطور عند عرضه المشروع على المجلس شارحا مبرراته. وبعد هذا صار الإمبراطور يصدر القرارات التشريعية دون التخفي وراء المجلس. وكان الإمبراطور يتمتع بسلطة التشريع الإداري بتفويض المجالس التشريعية وله إصدار الدساتير الإمبراطورية والتي اتخذت عدة صور:
ـ التعليمات الموجهة من الإمبراطور إلى الولاة فيما يخص القانون العام والخاص وهي قاصرة على موضوعها الذي صدرت بشأنه ثم طبقت على ما شابه موضوعها وصارت عامة بالتالي مصدر للقانون.
ـ الأحكام: القضائية الصادرة من قضاء الإمبراطور ولها قيمة عند القضاة فصارت مصدرا للقانون.

ـ المنشورات: يصدرها الإمبراطور لأنه يتمتع بالولاية العامة عند الحاجة إلى قواعد قانونية.

ـ الفتاوى: ردود الإمبراطور على استفسارات الأفراد والحكام بخصوص مسائل قانونية وتقتصر على القضية محل الفتوى فقط فأثرها محدود.

2ـ الفقــه: صار الفقه مصدرا مباشرا، وقد شملت نشاطات الفقه: الفتوى، التعليق على القانون المدني، التعليق على القانون البريتوري، الموسوعات، مؤلفات في شكل وجيز وسميت بالنظم وقد تولى الفقهاء المناصب القضائية والإدارية الكبرى، ومُنح لبعض الفقهاء حق الإفتاء الرسمي بفتاوى ملزمة للقاضي في النزاع المعروض، ولكن اشترط أغسطس في الفتوى أن تكون كتابة والتوقيع عليها مـن الفقيــه. ولكن عند الإمبراطور هادريان توقف هذا الامتياز ومنح لمجلسه الاستشاري ذلك والذي ضم مشاهير الفقهاء وكانت فتاوى الفقهاء الرسميين ملزمة إذا كانت صادرة باتفاق أراء الفقهاء. أما عند التعارض فالقاضي حر في اختيار أحد الآراء.

القانون البريتوري: أجاز قانون إيبوتيا للأفراد اللجوء إلى نظام المرافعات الكتابية أو نظام دعاوى القانون، ويُعد منشور البريتور والوسائل التي يستعملها من أجل تحديث القانون الروماني أهم مصادر للقانون بعد صدور قانون إيبوتيا وإلى غاية أواسط عهد الإمبراطورية العليا.

    كان كل بريتور يضع خطة يسير عليها عن طريق إصدار منشور أثناء ولاته التي تمتد لفترة سنة وينشره في الساحة العامة، حيث يبرمج الأساليب والحلول الجدية التي تضمن العدالة وتضفي على القانون المرونة خلال مدة ولايته، ومع تعاقب الحكام ساهمت منشوراتهم في تكوين العديد من القواعد القانونية لما لهم من سلطات قضائية وإدارية كذلك. أما المنشور الطارئ فهو الذي يصدره البريتور في ظروف طارئة يعدل بـه المنشور الدائم وألغـي المنشور الطارئ بموجب قانـون كورنليا 67 ق م. ويعتبر المنشور ملزم للبريتور الذي أصدره لكن خلفه يستطيع تعديله ولكن واقعيا نجد نفس القواعد الموجودة في المنشور السابق موجودة في المنشور اللاحق مما كون مع الزمن مجموعة من الأحكام الثابتة التي نادرا ما يتم الخروج عليها وسمي هذا الجزء من المنشور "الجزء المتداول" وقد جمع في عهد هادريان بعد تكليفه فقيه عصره جوليان بتجميعه في مجموعة رمية صادق عليها مجلس الشيوخ وصارت ملزمة لكل بريتور. وبهذا توقف تطور هذا الجزء ولم تظهر إلا الشروحات والتعليقات عليه بعد ذلك. وتجدر الإشارة إلى المنشور وقد امتد كذلك إلى جميع الأقاليم على اعتبار أن الحكام يضعون منشوراتهم على غرار منشورات البريتور. وهذا ما جعل المنشور دائما مصدرا للقانون.

أعلى الصفحة
رابعا: عصر الإمبراطوريــة السفلى:284 -565 م

    عرف هذا العصر تغيرات سياسية واجتماعية عميقة كما حدث تغير في مصادر القانون.

أ/ النظام السياسي: تركزت السلطة بشدة في يد الإمبراطور من حيث وضع وتغير القوانين. فقد اختفت المجالس الشعبية وتحول مجلس الشيوخ إلى مجلس بلدي لمدينة روما وأنشئ مجلس شيوخ آخر لمدينة القسطنطينية أما الحكام فبقيت مناصبهم ويعينون بقرار من الإمبراطور ويخضعون لأوامره. وتولى القضاء موظفين للفصل في الدعاوى دون الإحالة على الحكم. فحلت المرافعات الإدارية محل المرافعات الكتابية.

    لقد انقسمت الإمبراطورية الرومانية إلى قسمين: شرقية عاصمتها بيزنطا سميت القسطنطينية نسبة إلى قسطنطين وغربية وبقيت روما عاصمة لها. وبدأ الانقسام منذ عهد دقلديانوس ولم يصبح نهائيا إلا بعد وفاة تيودوز الأول 395م حيث قسمها لابنيه وبقي التقسيم حتى زوال الإمبراطورية الغربية على يد القبائل الجرمانية سنة 476م.

ب/ الحالة الاقتصادية والاجتماعية: تدهورت الإمبراطورية الرومانية بسبب الاتساع والمركزية الشديدة التي تعاني منها في تسير شؤونها وكذا الغزوات الجرمانية التي كانت تتعرض لها، حيث تم القضاء على الإمبراطورية الغربية في 472 م. بينما ظلت الإمبراطورية الشرقية وريثة الحضارة الرومانية، وكل هذا لم يساعد على تطور الاقتصاد وقد أدى نظام الطوائف إلى انكماش الأسواق. والمقصود بنظام الطوائف هو جمع أبناء الحرفة الواحدة في طائفة حيث يرث الابن مهنة أبيه جبرا وبذلك ارتبط المزارعون بالأرض فظهر نظام عبيد الأرض مما ساعد في المستقبل على نشأة النظام الإقطاعي، حيث ترتب على ازدياد الضرائب مطالبة الملاك الصغار بحماية كبار الملاك وانضموا إليهم، وبهذا اختفت الملكية الصغيرة تدريجيا وتكونت الملكية الإقطاعية وظهر رق الأرض.

ج/ الأوضاع الدينية: اعترف قسطنطين بالمسيحية واعتنقها واعترف لها بمركزها المساوي للأديان الأخرى بموجب منشور ميلانو 313م. ثم منشور تيودوز الأول الديانة الرسمية للدولة سنة 391 م، وحرم إقامة الشعائر الوثنية. وقد أثرت الديانة المسيحية على الأحوال الشخصية فأنشأت نظما وألغت أخرى كما نشأت المحاكم الكنسية وقضاتها من رجال الدين الذين تولوا النظر في المسائل المدنية التي ترفع لهم برضا الطرفين وهذا مهد لظهور القانون الكنسي في أوروبا. وتجدر الإشارة إلى أن الفلسفة اليونانية بقيت أكثر ظهور في القانون الروماني بالمقارنة مع الديانة المسيحية.

د/مصادر القانون: تدهورت الثقافة القانونية لاشتغال مصادر القانون بالبحوث النظرية وخاصة المسائل الدينية وابتعادهم عن الاجتهاد والروح العسكرية للأباطرة الرومان. وصارت إرادتهم هي المصدر الوحيد للتشريع في هذا العصر مع بقاء القانون القديم الذي تكون في العصر العلمي ساريا في الحدود التي رسمتها الدساتير الإمبراطورية. وتدخل الإمبراطور في كل المسائل أدى إلى وجود دساتير كثيرة ومتناقضة أحيانا واختفت التعليمات واختلطت الأحكام بالفتاوى واقتصرت قيمتها والزاميتها على الحالة التي أصدرت بشأنها فقط. أما المنشورات كصورة من صور الدساتير الإمبراطورية فهي المصدر الأساسي للقانون في هذه المرحلة.

أعلى الصفحة

الانتقال الى المبحث الثاني
الفصل الثاني الصفحة الرئيسية
البرنامج التفصيلي